ابن الجوزي

198

صفة الصفوة

249 - عابد آخر موسى بن علي الأخميمي قال : قال ذو النون : وصف لي رجل باليمن قد برز على الخائفين وسما على المجتهدين ، وذكر لي باللبّ والحكمة . فخرجت حاجّا فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب . وكان معنا شابّ عليه سيماء الصالحين ومنظر الخائفين ، كان مصفارّ الوجه من غير مرض ، أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقم ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة تراه أبدا كأنه قريب العهد بالمصيبة . فخرج إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه ، فأبدى الشيخ له البشر والترحيب . ثم سلّمنا عليه فقال الشاب إن اللّه بمنّه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب معالجا لأوجاع الذنوب ، وبي جرح نغل وداء قد استكمل ، فإن رأيت أن تلطّف لي ببعض مراهمك وتعالجني برفقك . فقال له الشيخ سل ما بدا لك يا فتى . فقال له الشاب : يرحمك اللّه ما علامة الخوف من اللّه تعالى ؟ قال : أن يؤمنه خوفه كلّ خوف غير خوفه . قال : متى يتبيّن للعبد خوفه من اللّه تعالى ؟ قال : إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة السقيم فهو يحتمي من أكل الطعام مخافة السقام ، ويصبر على مضض كلّ دواء مخافة طول الضنى . فصاح الفتى صيحة ثم بقي باهتا ساعة ثم قال : رحمك اللّه ما علامة المحبّ للّه تعالى ؟ فقال له : حبيبي إن درجة المحب درجة رفيعة . قال : وأنا أحب أن تصفها لي . قال : فإن المحبين للّه تعالى شقّ لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب عزّ جلال اللّه فصارت أبدانهم دنياوية وأرواحهم حجبية ، وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة وتشاهد تلك الأمور باليقين فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حبا له لا طمعا في جنّة ولا خوفا من نار . فشهق الفتى وصاح صيحة كانت فيها نفسه . قال : فأكب الشيخ عليه يلثمه ويقول هذا مصرع الخائفين ، وهذه درجة المجتهدين .